ساشا ميليفويف - امير الشعر الصربي المعاصر في حضرة المنارة البريطانية

 

 

 

 

 

ساشا ميليفويف

امير الشعر الصربي المعاصر في حضرة المنارة البريطانية


Saša Milivojev

وجع العالم 

ساشا ميليفويف كاتب وشاعر وصحفي ومحلل سياسي مشهور، وهو أحد أشهر كتاب الأعمدة في صربيا ومؤلف خمسة كتب وأعمدة تنشر في الصحف اليومية. ترجمت أعماله إلى حوالي عشرين لغة حول العالم...

  website counter

 

مراجعة علمية لنص قصيدة وجع العالم. مقدمة في شعر ساشا ميليفويف

 

كتابة: الآفات الوطنية
25 كانون الثاني 2019
 

"لكل زمان شرقة الخاصة به"
 

امير ووجع

في منتصف ذلك الشتاء الذي يقسم العاميين 2018 و2019 - حسب التقويم الاداري العالمي - فجرت قريحة ساشا ميليفويف قصيدة اطلق عليها اسم "وجع العالم." وجع العالم هي القصيدة التي لم تستحضر ذكريات الشاعر بارون فقط، بل وكذلك الشاعر شيلي، وعليه ووترابطا مع تلك الذكرى اضع قصة امير الشعر الصربي بجانب المنارة البريطانية.
 

 

هوية وجع العالم
من الواضح ان قصيدة ساشا ميليفويف المستقبلية "وجع العالم،" والتي قدمت للعالم، تمر على هوميروس (سواء أكان ام لم يكن، او أيًا كان اسم الشخص الذي وصف الفضائع الحالية) مرورا بميلوش (وتراكيبه، على الرغم من ان ميليفويف لا يقلد تركيب اي شخص ما)، وصولا الى درويش (كون ميليفويف شاعرا، ونارحا، ومشردا، ومدركا كما يدرك درويش لحقيقة انهم من الممكن ان يكونا مقربين من الميل نحو الشدة والوحشية – على الرغم من انه من المعلوم انهما لم يقرئا لبعضهما البعض) ومعرجا على فاسيليف (اعتمادا على حقيقة ان يكون القارئ معدا وعارفا بالتراث النصي للغة التي ينشد بها ميليفويف اصلا).
حيث ان القصيدة، وتناغما مع ايقاع هذا العالم، قد تم ترجمتها الى عدة لغات اخرى، وتم نقل المعنى بصورة ليست حرفية، بل بطريقة عكست ما يقبع وراء تلك الكتابة والمضمون، بل وبطريقة سوينكا البلقان الذي تم نطق اسمه بشوينكا، عندما حل ضيفا على بلغراد، كما بدى الامر لي. حقيقة لا اعرف كيف تم نطق اسمه من قبل اولئك الذين دعوه لاستلام جائزة نوبل للاداب.
 

 

صرف الانتباه الى الحليب

يقال بأن لكل انسان شرقه الخاص به، والذي ليس من الضروري ان يكون بأتجاه الشرق. فالشرق هنا قد تحول بأتجاه الجنوب الذي ابتعد عن الصيف، الى حيث يتدلى الضباب على مصابيح الشوارع، وذئاب البحر(اولئك الشعراء القدامى، والرومانسيون، وما بعد الرومانسيون، والرمانسيون الجدد)، والمواقد التي تغلي المياه التي سوف لن ولم تتحول الى شاي في المنازل. من ذا الذي شيشرب الشاي بدون الحليب؟ ولماذا لا يوجد حليب؟ لماذا لا يوجد حليب! لا يسألون. ولكن الذين يرون، ويفكرون، ويعترفون بأنهم شعراء حقيقيون يصرخون، على عكس الشعراء والكتبه والكتاب الاخرين. هؤلاء هم الاشخاص الذين يعرفون – من وحي وعيهم الاول – بأنهم مميزون، ولا ينكرون هذه الميزة. فهم يحبون التحلي بهذه الصفة، وحملها، وحبها ايضا. يعرفون كيف يغزون العالم ويعرفون كيف يجذبون العالم اليهم، بل نحوهم شخصيا، وابعد من امتيازهم. حيث يذكرون البشرية جمعاء بأن عشبة الرجيد سوف لن تكون مهمة، بما تمثله من الخلود، اذا لم يكن هناك شيئا من شأنه ان يقضي على الفناء من جذوره: فلا يمكن ان يعيش احدهم على الهواء فقط، ولا يمكن للمواليد الجدد البقاء على قيد الحياة اذا ما تنفسوا فقط، او اذ لم تتوفر لهم عشبة الرجيد، او الماء، او النبيذ، بل الحليب، الحليب، الحليب. هناك عدد قليل من الأشخاص الأذكياء على سطح هذا الكوكب ممن هم أذكياء، وشجعان، ومستعدين لقول هذه الحقيقة، ومن بينهم ساشا ميليفويف.

 

 

المشكلة في الشاعر نفسه
ساشا ميليفويف شاعر، يفعل ذلك بوعيه وتصميمه الذي ينبع من وعي الذات. حيث دائما ما يتقدم العالم بخطوة، من دون أن ينظر إلى الوراء، بل على العكس، ينظر بجرأة إلى البشرية، ويشير بإصبعه إلى تلك الموضوعات التي تهم الجنس البشري، وينشد لها هو بنفسه. لذلك، يمكن القول بأن ميليفويف ينشد بوعي ويختار الموضوع بعناية، والجهة المعنية ايضا. وعليه فأن قصيدته لا تخص شخصا محددا، بل كل شخص، ومع ذلك فهي موجهة، في المقام الأول، لأولئك الذين لديهم السلطة، وكيف ذلك، ولماذا؟ فعلى سبيل المثال، فأن الجواب على سؤال من ذا الذي لا يريد شرب الشاي بدون حليب، وهل هو شاي اصلا، وبان مهما كان طقس وعادة احتساء الشاي شائعة فأن ذلك ليس سببا كافيا، او عذرا منطقيا للتأويل، او اعتذارا مبررا، ولا حتى مقبولا لابن بائعة الحليب الذي لم يقوم بأستبدال قناني الحليب الفارغة بتلك المملوءة بالحليب امام منازل البحارة. لذا يجب السؤال هل من الممكن قبول هذا الواقع (ابن بائعة الحليب) الذي دائما ما يدور الشعراء في فلكه (وينتظرون مصاصي الدماء لتقديم تلك المناسبة "موت الحبيب")، ام ان الشاعر يجب ان يكون حيث تكمن المشكلة في اصلها؟ وهل يمكن ان يكون ذلك سببا لعدم كونه شاعرا اصلا؟ ولكن ميليفويف هو شاعر، وكيف ذلك؟
 

 

ميليفويف يعرف
يعرف ميليفويف بأن الشخص الذي يفشل في ادراك ممنهج للماضي، بل ويعتبر ان الماضي تقليدا، والذي يختار بشكل انتقائي من قاموس المرادفات للتجربة البشرية، والارث بحد ذاته، ولغته الام الذي ينشد بها، فهو ليس شخصا محددا للدوافع، ولا حتى المواضيع، بل بالاحرى منتقي للواقع.
كما ويعرف ميليفويف ما هو الواقع: فهو في الاساس ما يعتمد على الان، وما يعتمد على ما هو معتاد، بل هو الحاضر. ففي هذا الواقع، الذي يدركه المرء، ويتقبله بصورة يومية، يعرف ميليفويف بأنه لا قيمة تذكر لقدر طرواده ولا حرب الفيتنام (فتلك "الذكريات" الفعلية ليست معدة لعالم الترفيه، المحفوظ كوسيلة لتنفيذ الوعي الملحمي الجديد)، بل هو نزيف الجروح، وتقطيع اوصال الاجساد التي لا تزال دافئة، والجثث الجديدة.
فمن يتعثر بالاطراف البشرية، والاجساد التي تفوح منها رائحة النتن، الجروح المؤلمة؟ ميليفويف يعرف ذلك.
 

 

الفهرس
ميليفويف يعرف ذلك ولهذا السبب فهو يخاطب البشرية، مشيرا باصبعه الى ما تم غض الطرف عنه، وينظر بنظراته التي تتجه نحو المناظر الاكثر بشاعة من الكوابيس، والمعبرة عن واقعنا، ويكشف الجاني من دون ان يكون مضطرا حتى الى تسميته.
ان كل ذئاب البحر في الكون مجتمعة، وكل شعراء العالم منذ الازل، قد نظموا قصائدهم حول امراءة – الهة، مصدر الهام، عشيقة (بل وكتبوا حتى عن عصفورها، مثل ما فعل كاتولوس (ولو كان زماننا هذا زماننا اخر فلن اجد نفسي مضطرة لحماية نفسي بذكر اسم الشاعر، لاني متأكدة من ان جميع، جميع القراء سيعرفون بأني اذكرهم بموت عصفور ليزبيوس)، وام، وزوجة شخص ما (ليس مصاص الدماء)، وحبيبة ميتة (يمكننا القول بأن اسمها كان لينورا بداءا منذ عهد الرومانطيقية فصاعدا حين بدأ الحديث عن القصائد والدوافع)، ما الذي يفعله ميليفويف؟
لا يشير ساشا ميليفويف بأصبع الاتهام إلى "المرأة" المذنبة في "وجع العالم" على الاطلاق (على الرغم من ان في لغته الام، على سبيل المثال، فان البلد يأخذ صيغة المؤنث، والمؤنث في اللغة الصربية يشير الى القوة الغامضة، والغير مسماة، والغير معرفة باي نوع من القوة هي)، ولكن في "وجع العالم" فأن المراءة، وكما هو الحال الرجل، لايختلفان بحسب الجنس والنوع، فالمراءة حاضرة، كما هو الحال مع الرجل، في اجزاء الواقع القاسي والمؤسف لضميرنا (اللا ملحمي، بل الواقعي والقائم على اسس تجريبية). ان البوم صور السفن الخاص بنا لا يعرض صور الاعداد اللا منتاهية من السفن والشعوب التي تحملها، بل الجثث، الجثث، الجثث.
 

 

تسمع في السماء السابعة
ان ميليفويف هو الشخص الذي يناقش بجرأة ومسؤولية، وبابيات قاطعة وغير قابلة للاختراق، في القصيدة العامة ملاحم البشرية العالمية والكونية، وليس القبائل والأبطال الأسطوريين - رموز المستقبل للجميع وكل شيء – بل معاناه البشر، وضحايا البشر، البشر من الاطفال والمسنين والنساء والرجال الموجودين على الجانب الاخر من المنارة، حيث يندحر ورثة الاساطيل التي تحمل الشاي وتدرك بان هناك اخر مختلف، اخر غير راكع، يتنفس ويشرب، يشرب، يشرب الحليب.
هل مازالت الإمبراطوريات التي تلاشت (خاصةً الاستعمارية، التي تم التأكيد عليها في خطاب ما بعد الاستعمار) لا تتعلم من اخطائها الاخيرة؟ ألا يستطيعون أن يروا أن ورثة النبلاء الذين رسموا، ذات يوم، حدود الدول، يقومون بالشيء نفسه الان لتحديد ممتلكاتهم؟ هل ميليفويف، الذي لا ينشد في لندن التي تعج بالهنود البريطانيين، يخاطب هذا، على الرغم من ان الصوت يسمع في السماء السابعة، في الاخاديد المملوءة بالافغان.
وبنفس طريقة ذئاب الاستعمار، او الرومانطيقيين كما يجب ان اسميهم، فأن ميليفويف ينشد بأسلوب "استعماري بدون ادني شك" محذرا العالم من العواقب، والعواقب، والعواقب، بينما الإمبراطورية (التي هي أيضًا في لغة ميليفويف الأم تاخذ صيغة المؤنث)، لا تزال صامتة.
 

 

مثلثات ومربى التفاح
دعونا نعود إلى السؤال لماذا لا يوجد حليب.
اعتمادا على التجربة، إن لم يكن العقل، فإن زوجة ذئب البحر المتعلمة، والتي هي جدة ذات مكانة مرموقة، ولديها عدد قليل من الاحفاد، تعتقد بل وتعرف لماذا لا يشرب حفيدها الشاي بل الحليب الصافي، الغير ساخن مثل الحروق، مع أربعة مثلثات من الخبز مضاف اليها مربى التفاح، وذلك لانها لا تقبل اي سببا لغير ذلك. حيث ان حفيدها له الحق في الحصول على كوبه من الحليب، وانه سوف لن يقبل بوجبة افطار سيئة، لانه يحافظ، ولو جزئيا، على دور الاجداد الذين قاموا برعايته واطعامه. ماذا عن التربية؟
ليس لساشا ميليفويف أوهام ولا حتى خوف من ان يقول الحقيقة كما هي: ان حفيد ذئب البحر لا يريد أن يتربى بل أن يربي. لذا تجده ينشر الخوف في العظام والرياح، والبقرة ورفاقها – بل نادرًا ما يكون لطيفًا، وغالبًا ما يكون عنيفًا، يطرد بالقوة بعيدًا عن المنازل، وكلما زاد البعد زادت القسوة. كما ويفرش سجاد القنابل، ومنصات الصواريخ، واطنان الاطعمة الانسانية المشبعة يالاشعاءات النووية، ويتخم البشرية بالاكاذيب والمفاهيم الخاطئة، الشيء الذي يستطيع حتى غير الشاعر من ان يراه، ومع ذلك يمكن للشاعر فقط ان يجرؤ على إدراكه - بصوت عالٍ وواضح.
 

 

الطفره
ان التربية والتعليم يفرضان حدودًا على الحرية وخاصة امر قبول ولو سببا واحدا. ومع ذلك، فإن التنشئة الاجتماعية لا تؤدي بالضرورة إلى إيجاد تفاهم داخل المجتمع، بين الطبيعة واندماجها مع المجتمع، كما ولا تؤدي إلى قبول الثقافة، ولا حتى السير في مواكبة الحضارة، بل ولا حتى تغيرها. ان "وجع العالم" هي تحذير ميليفويف للعالم:
من المرجح أن يبحث النسل عن الثقافة والحضارة الموجودة التي تكون الأنسب له، والتي ستحوي في طياتها جزءا منه طالما راق الامر له، وبعدها ستمضي قدما الى ابعد من ذلك – ليس باتجاة الجنوب، بل دائما نحو الشرق، حتى ولو كان باتجاه الغرب. حيث يغادر الاسلاف الجنوب – لتدفئة عظامهم المتجمدة وللبحث عن مأوى مما لم يتمكنوا من تغيره. لم ينجحوا في تغير الشتاء، او اعادة ترتيبه، او الانتقال الى مناطق مستقرة، بل نقلوا وليس بصورة مؤقتة اشخاص محددين لا يستحقون التغير بالاضافة الى العديد، العديد من العادات والتقاليد، وواحدة منهم هي القتل. فهل يمكن القول، على الاقل، بان ذئاب البحر قد تغيرت؟
 

 

هو
إن الكشف غير المنهجي عن العالم الخفي، والرد الفوري على آلام الإنسان، وكل الم جسدي، لم يتم التطرق اليه لا في الادب او في وضح النهار، يمثل الوجع العالمي في كل مكان. وعليه فان المفهوم يكمل المحتوى ويغير من نطاقه. لا يوجد موت عنيف غير مؤلم حتى وان لم يسمع به، او لم يتم عن طريق رشاشات او مدافع او غيرها من الاسلحة التي لا تعد ولا تحصى، بما في ذلك الاسلحة البيضاء (الباردة).
في الواقع، إذا كانت سموم الحرب أسلحة باردة، فمن الطبيعي ان يتساءل المرء عندما يقرأ ساشا، عن الوجع العالمي وليس عن بعض من "وجع العالم" الألماني. فالرومانسيون، وبدون أي مقدمة، لم يعودوا يعيشون في ألمانيا أو بريطانيا، كما لم يولدوا فيها، بل سوف يأتون، لكن يجب عليهم أن يولدوا أولاً. فقد كان سلفهم الشعري والشاعري لفترة طويلة في الشرق المختار، حيث أتى اليه من جنوب بايرون وشرق شيلي. فهو يعلم أن الملحمة تقف على الأرض بسبب الواقع الذي تجسده في ذاتها، وهو يعلم أن هذا الواقع أكثر من مجرد مناسبة للانشاد، بل هو في هذا العصر صرخة. إنه يعلم، ينشد واسمه ساشا ميليفويف.


الافة الوطنية
 

ترجمة
بشار الهدلة

 

Saša Milivojev intervju

 

 

داليبوركا ستويشيتش - "ساشا ميليفويف - ابن الروح"

 ساشا ميليفويف - فتى البيت الاصفر: "اخرجت قلب الصربي، وبقي ينبض"

  السعودية أنباء - قراءة في قصيدة "ساشا ميليفويف" وحواره مع الله، كتبت – منيرة الشهراني

 ساشا ميليفويف - عندما تحلق اليراعة - وجهة نظر بعض الفنانين والكتاب

 مصر، كايرو - سهى زكى حول ساشا ميليفويف

 ساشا ميليفويف في جريدة الاخبار المصرية. طبعت النص في مليون نسخة

 ساشا ميليفويف في مجلة "شاشتي" في مصر - حوار مع الله

 ساشا ميليفويف - أغنية الفرح

ساشا ميليفويف - الوجع العالمي

ساشا ميليفويف - قدح الدم

ساشا ميليفويف - أمل

ساشا ميليفويف - لاجئون

ساشا ميليفويف - الشاعر الخالد

ساشا ميليفويف - المعراج

   ساشا ميليفويف - نصب الصقيع

 ساشا ميليفويف - الفراق

ساشا ميليفويف - كونداليني - البراق

ساشا ميليفويف - الحبل السري

ساشا ميليفويف - السلك الذهبي

ساشا ميليفويف - القسم الجديد

ساشا ميليفويف - استجدي الحب بالقصائد

ساشا ميليفويف - المتشرد

ساشا ميليفويف - كما وانك هنا

ساشا ميليفويف - الخالدة

 ساشا ميليفويف - عندما تحلق اليراعة

 

 

www.sasamilivojev.com

ساشا ميليفويف، ۲٠۲٠  © حقوق النشر